دفعنا الأخوين إلى الخارج حيث كان ينتظر 12 من فصيلنا وقد اخذ الشقيقان إلى مركز احتجاز أمريكي للاستجواب . لا اعرف ماذا يسمى أو أين مقره . كل ما اعرفه هو أننا نرسل هناك كل رجل - أو بالأحرى كل ذكر طوله أكثر من خمسة أقدام - نجده في المنازل التي نداهمها ولم أر أيا منهم يعود في المناطق التي كنا نمشطها بانتظام . في الداخل استمرينا في بعثرة المنزل . وكلما فشلنا في العثور على أسلحة أو أدلة مريبة كلما زدنا من بعثرة وقلب المنزل.
قلبنا الدواليب وقطعنا المفارش والمراتب بالسكاكين واطحنا بالأبواب وقد داهمنا ثلاث غرف نوم في الطابق الثاني ثم أسرعنا إلى الطابق الثالث . قلبنا كل شيء وكسرنا الأثاث بشكل عشوائي ونحن نفتش عن الأسلحة والذخائر وأي دلائل على أنشطة إرهابية أو علامات أسلحة دمار شامل .
لم نجد سوى سي دي واحد . قال الجنود أول الأمر انه دليل على نشاط ارهابي ولكن اتضح انه يحوي خطبا لصدام حسين . وحالما قلبنا كل أحشاء البيت وفتشنا كل شيء ، حل محلنا فريق آخر لزيادة التكسير وإشاعة الفوضى بحثا عن أسلحة ربما تكون قد أفلتت من انتباهنا .
في الخارج ، عهد إلي أن أراقب النساء والأطفال . لم نحتجزهم ولكن لم نكن نسمح لهم بالذهاب إلى أي مكان . أفراد العائلة لايستطيعون الدخول إلى المنزل كما لا يستطيعون الذهاب إلى الجيران . عليهم أن يبقوا في أماكنهم في حين نمزق منزلهم أشلاء . في هذه الإثناء بدأت الفتاة المراهقة تحدق بي . وحاولت أ ن أتجاهلها .
ثم بدأت تكلمني . في الداخل ، حين كنا نصرخ فيها وفي الآخرين ، كنت افترض أن لا احد منهم يفهم كلمة من الانجليزية . ولكن هذه الفتاة الصغيرة بدأت تكلمني بالانجليزية وعيناها تحفران ثقوبا في جسدي .
كانت جلدا على عظم ربما لا تزن أكثر من 100 رطل . ولم تكن حتى امرأة كاملة ولكن شيئا فيها كان قويا و مثيرا للقلق .
شعرت بالخوف من الفتاة وتمنيت أن أسرع بالابتعاد عنها ولكن عملي كان أن ابقي لضمان عدم تحركها . كان سلاحي جاهزا . وكانت ترتدي قميص نوم ازرق وتربط شعرها بوشاح ابيض . لم تكن تغطي وجهها بحجاب وهكذا كنت استطيع أن أرى وجهها . كانت عيناها بلون الفحم ومليئتين بالكراهية.
وبلغةانجليزية سألتني "أين تأخذون اخوي ؟" قلت :" لا اعرف يا آنسة ." "لماذا تأخذونهما ؟" " لا استطيع أن أصرح " "متى تعيدونهما ؟" "لا استطيع أن أجيبك على ذلك أيضا " "لماذا تفعلون بنا هذا ؟" ولم استطع أن أجيب عليها .
لم أكن ارغب أن تثير ضجة . لم ارغب أن تبدأ في الصياح مما قد يثير انتباه رفاقي الجنود وبعضهم قد يشتهي أن يستخدم عقب سلاحه لكسر أسنانها.
لم يكن قد مضى على وجودي في العراق أكثر من 24 ساعة وكنت قد بدأت في الإحساس بشعور غامض. أولا .. كنت عرضة للخطر ولم أكن أحب ذلك .
حتى مع كل هؤلاء الجنود وكل هذه المعدات كنت اعرف انه في أي وقت وفي أي مكان .. أي عراقي مع بندقية وحائط يختبئ خلفه وعين صحيحة يستطيع أن يلتقطني أسرع مما ينقض صقر على جرذ.
ثانيا - في أول خطوة داخل الحرب كنت أحس بعدم الارتياح حول سبب وجودنا هناك . شيء ما كان خاطئا . لم نجد شيئا في منزل الفتاة ولكننا قلبناه في 30 دقيقة واعتقلنا أخويها. وفي الداخل مازال بعض الجنود يقلبون المنزل . لم اشعر بالراحة لاضطراري لحراسة تلك الفتاة في كراج بيتهم في هواء نيسان البارد قبل الفجر في الرمادي .
أما أسئلتها فقد نالت مني ولم أحب أن أكون في موضع من لا يستطيع الإجابة.. حتى بيني وبين نفسي. مداهمة البيوت وبعثرتها كانت هي معظم المهام التي كلفت فيها بالعراق وقبل أن تنتهي دورتي كنت قد ساهمت في 200 مداهمة تقريبا . ولم نجد في أي منها أسلحة أو دلائل إرهاب.
لم أجد شيئا يبرر الرعب الذي نسببه كلما فجرنا باب منزل مدني وكسرنا كل ما يملكه و ضربنا وقيدنا الرجال واعتقلناهم . ولكن الأسوأ كان مافعلناه في إحدى المداهمات .. كان منزلا جميلا من طابقين في منطقة منعزلة . وكالعادة ، وضعت شحنة المتفجرات على الباب . وفجرناه وبينما اندفعنا داخل المنزل كانت النساء يتعثرن وهن يخرجن من غرفهن . وصرخت ثلاث فتيات مراهقات حين رأيننا .
بعض رفاقي الجنود مسكوا بهن موجهين أسلحتهم إليهن والبقية ركضنا نفتش المنزل . لم نجد رجالا على الإطلاق . بل وجدنا ست نساء أخريات مابين سن العشرين والثلاثين . لم يجد الرجال في فرقتي أي شيء حتى ولا أي سلاح وكالعادة كلما فشلوا في العثور على شيء ازدادوا في المنزل تخريبا وكسرا للأثاث وتهشيما للمقتنيات وتقطيعا للمفارش وللمراتب ورميا للأرفف على الأرض.
في الخارج وجدت الجندي هيز مع امرأة في كراج المنزل وكان يوجه سلاحه إلى رأسها ولكنها لم تتوقف عن الصياح.
كانت تقول "لماذا تفعلون هذا ؟"
وأمرها هيز أن تخرس
صرخت "لم نفعل لكم شيئا "
رأيت هيز وقد جن جنونه. قلت لها بأننا ننفذ أوامر ولا نستطيع أن نتحدث إليها ولكنها استمرت في الصراخ بي وبهيز :
" انتم الأمريكان حقراء ! من تظنون أنفسكم لتفعلوا هذا بنا ؟"
ضربها هيز على وجهها ببندقيته فسقطت على التراب صامتة وهي تنزف . لم تحرك ساكنا . دفعت هيز جانبا وأنا أقول له "ماذا تفعل يا رجل ؟ عندك زوجة وطفلان ! لا تضربها هكذا "
نظر إلي بعينين يملأهما الحقد كأنه على وشك قتلي لقولي تلك الكلمات ولكنه لم يلمس المرأة مرة أخرى .
وجدت هذه الواقعة مع هيز على الخصوص مثيرة للقلق لأني خلال عملي معه في العراق لم أره يوما يفقد هدوءه وقد تولد لدي إحساس انه إذا فقد صوابه وضرب المرأة فكلنا معرضون لمثل هذا السلوك.
ثم حدث شيء مازلت أراه في كوابيسي حتى اليوم .
اقتيدت النساء إلى داخل المنزل وطلب منا جميعا أن نقف حراسا في الخارج . دخل أربعة عسكريون أمريكان مع النساء وأغلقوا الأبواب . لم نر أي شيء من خلال الشبابيك . لم اعرف من هم الرجال العسكريون أو من أي وحدة كانوا ولكني كنت اعرف أنهم أعلى رتبا منا أو على الأقل في مستوى ملازم أول فما فوق .
وهذا لأن جويس وهي ملازم ثان من فرقتنا كانت هناك ووجودها لم يعقهم .
عادة حين نقوم بمداهمة كنا نستغرق 30 دقيقة أو اقل في الدخول والخروج . فنحن لا نرغب في البقاء في مكان واحد مدة أطول خوفا من التعرض لهجمات بالهاون .
ولكن فريقنا أمروا بالبقاء خارج المنزل لمدة ساعة . بدأت النساء يصرخن والرجال معهم خلف الأبواب المغلقة. واستمر هذا طويلا .
أخيرا . خرج الرجال وأمرونا بالانصراف .
طرأ على ذهني حينها أن الإرهابيين هم نحن الجنود الأمريكان
أننا نرهب العراقيين .
نرعبهم
نضربهم
ندمر منازلهم
ربما نغتصبهم
من لا نقتله نخلق له كل الأسباب في العالم ليتحول إلى ارهابي
وبما نفعله بهم ، من يلومهم على رغبتهم بقتلنا ؟ وقتل كل الأمريكيين ؟
هذا الإدراك المثير للغثيان تحول في أحشائي إلى ما يشبه ورما سرطانيا نما وكبر وسبب لي معاناة هائلة مع كل يوم يمر علي هناك .
الإرهابيون في العراق.. هم نحن الأمريكان.
ترجم هذا المقال بثينة الناصري خصيصا لدورية العراق وأصل المقال من موقع
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل]