عزيزي الزائر شكراً لدخولك لـ منتديات ستار لتسجيل أضغط هنا ![]() |
|
|
| |||||||
| قصص - حكايات - روايات - Stories قصص واقعية , قصص خيالية , قصص عاطفية , قصص علمية , قصص النت , قصص مؤثرة , قصص مرعبة , قصص من البيوت , قصص للموعضة , قصص رومانسيه,يهتم بالقصة و الرواية الثقافية والتراث القديم قصص حب قصص غرام قصص واقعية قصص غريبة قصص عجيبة قصص الجن قصص مضحكة قصص التائبون قصص ساخرة قصص جرائم قصص اطفال |
![]() |
| | LinkBack | أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | انواع عرض الموضوع |
| | رقم المشاركة : 11 (permalink) | ||||||||
|
|
قيس وليلى حكاية ليلى والمجنون هي من أغلب قصص الحبالمشهورة على الإطلاق. بل أغلبها شهرة ومعرفة عند العام والخاص. ولا بأس منإعادة ذكرها لمن لا يعرف تفاصيلها بشكل جيد. المجنون هو قيس بن الملوح العامرىابن عم ليلى. حدثت هذه القصة في صدر الإسلام ، في القرن الأول الهجرى، في وقتكانت البادية العربية تعيش في عزلة نسبية . بدأت قصتهما كما تبدأ أكثر قصص الحبفى البادية في المرعى، وهما صبيان يلعبان ويرعيان ماشية أهلهما. وكبر العاشقان،وكبر معهما حبهما، وحجبت ليلى عن قيس، فازداد حبه لها، واشتد حنينه إلى أيامهماالصغيرة أيام أن كان الحب طفلا يرعاهما دون رقيب أو حجاب. يقول قيس : تعلقت بليلى وهـــي ذات ذؤابــة ** ولم يبد للأتراب منثديها حجم صغيرين نرعى البهم، ياليت أننا ** إلى اليوم لم نكبر ولم تكبرالبهم ولكن عجلة الزمن لا ترجع إلى الوراء، وطفل الحب الذيرعاهما في صباهما الصغير يكبر وينمو، ويشتد ساعده، ويقوى عدوه، وسهامه الصغيرةالرقيقة التي ضمت قلبيهما صبيين في المرعى أصبحت بعد أيام الصبا حادة نافذة. لقدجاء الإسلام فرفع منزلة المرأة العربية فلم تعد واحدة من أساليب اللهو التي اعتادعليها البدوي ليحقق وجوده الضائع في الصحراء المترامية الأطراف إلى جانب الخمروالميسر. إن الدين الجديد يحرم عليه الخمر ويحرم عليه الميسر، ويفرض عليهقيودا دينية واجتماعية وخلقية. وكان الشاب ينظر حوله، فلا يرى إلا بنات أعمامه،إنهن رفيقات اللعب في الصبا، وأول من يتعرف إليهن من نوع الأنثى فيختار الشابإحداهن ، تسحره نظرة منها أو التفاتة أو كلمة عابرة ، ويميل القلب نحوها ولكن فجأةتختفي بنت العم تماما ، فالتقاليد تحجبها داخل خيمتها، لا تخرج منها إلا بصحبةحارسة، وللضرورة . هذه الظروف ما هي إلا تربة خصبة لنمو العاطفة واشتعالها ،فيستبد الوجد والشوق إلى المحبوبة ويزداد التعلق بها، وتسيطر صورتها على خيالالحبيب ولا يفكر إلا فيها ، إن حياته كلها أحلامه وأشواقه تتركز في نقطة واحدة ، أنيراها . ويتحول الشاب الذي كان يزهو بفتوته بين أقرانه، إلى شبح هزيل يجبوالصحراء، تتقاذفه العلل والأوهام، يردد أبيات شعر رائعة عن حبه وعن ذكريات طفولتهويذكر فيها محبوبته كثيراً. هذه إجمالا ملخص القصة والكثير من القصصالمشابهة لها. اشتد هيام قيس، ولم يجد إلا شعره متنفسا له ينفس فيه عن نفسه ماتنوء به من وجد وشوق وحنين. واشتهر أمره في الحي، وتداولت الألسنة قصةحبه. تقدم قيس إلى عمه طالباً الزواج من ابنته ليلى ، وبدلا من أن يفرح العمويرحب، إذا به يرفض، ويصر على الرفض .. لماذا ؟ لأن التقاليد تمنع العرب منالموافقة على زواج ابنته من رجل تشبب بها أي تغزل فيها في شعره ! وفي نفس الوقتتقدم فتى من ثقيف يخطبها أيضا، ويكرهها أهلها على قبول الثقفي ورفض قيس خوفاً منالعار وقبح الأحدوثة، وقطعاً لألسنة الشائعات وقالة السوء والإفك. ومضىالثقفي بليلى إلى الطائف، ولعل ذلك الحل كان بوحي من أبيها الذي شاء أن يبعدها عنمسرح الأحداث . وازدادت حيرة قيس واضطرابه، وثقلت على نفسه الهموم والأحزان،وصار يحس أنه بين شقي رحى طاحنة : حب لا يملك منه فكاكا، ويأس لا يرى معه بصيصاً منأمل. ولا يجد سوى شعره مرة أخرى ينفس فيه ما تفيض به نفسه من حزن وشجن،وحيرة واضطراب، وضيق وسخط. يقول : فأنت التي إن شئتأشقيت عيشتي ** وإن شئت بعد الله أنعمت باليا وأنت التي ما من صديق ولاعـــــــدا ** يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتنـي ** أصانع رحلي أن يميل حياليا يمينا إذا كانت يمينا، وإن تكــــــــن ** شمالا ينازعني الهوى عن شماليا أعد الليــــــالي لـــــيـــلــة بعد ليلـة ** وقد عشتدهراً لا أعد اللياليا أرانى إذا صليت يممت نحوهــــــــــا ** بوجهي وإن كانالمصلى ورائيا وما بي إشراك، ولكن حبهــــــــــــا ** كمثل الشجا أعيا الطبيبالمداويا أحب من الأسماء ما وافق اسمهـــــا ** وأشبهه أو كان منه مدانيا هيالسحر إلا أن للسحر رقيـــــــــة ** وأني لا ألفي لها الدهرراقيا ويقول أيضا مصورا الصراع بين اليأس الذي يميته، والأمل الذييحييه: ألقى من اليأس تارات فتقتلنــي ** وللرجاء بشاشاتفتحييني ويقول مصورا السخط الذي تنوء به نفسه الحزينةالمتمردة: خليلي، لا والله لا أملك الـــــذي ** قضى اللهفي ليلي ولا ما قضى ليا قضاها لغيرى، وابتلاني بحبها ** فهلا بشئ غير ليلىابتلانيا وانهار أعصاب قيس تحت وطأة هذه الرحى الطاحنة، وجن جنونه ،بعد أن ترك وحيدا، وعصفت بعقله العواصف ، فخرج إلى الصحراء هائماً على وجهه لا يكاديدري من أمره شيئاً، يناجي خيالها البعيد، ويصور فى شعره محنته القاسية، ومصابهالفاجع في أعز ما يملك فى الحياة : قلبه وعقله اللذين ذهبت بهما ليلى إلى غيررجعة. يقول : أقول لأصحابى: هي الشمس ضوؤها ** قريبولكن في تناولها بعد لقد عارضتنا الريح منها بنفحــــــــــة ** على كبدي من طيبأرواحها برد فما زلت مغشيا علي، وقد مضـــــــت ** أناة وما عندي جواب ولارد أقلب بالأيدي، وأهلي بعولــــــــــــة ** يفدونني لو يستطيعون أنيفدوا ولم يبق إلا الجلد والعظم عاريــــــــــا ** ولا عظم لي أن دام ما بي ولاجلد أدنياي ما لي في انقطاعي وغربتي ** إليك ثواب منك دين ولا نقد عديني - بنفسي أنت - وعداً فربمــــا ** جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد وقد يـــبــتليقــــوم ولا كبليتــــــي ** ولا مثل جدي في الشقاء بكم جد غزتني جنود الحب منكل جانــــــــب ** إذا حان من جند قفول أتى جند ولا شك أن عقله عجزتماما عن فهم أو تقبل ذلك المنطق الذي خضع له عمه، وكل القبيلة، التي لم يحاول أحدفيها أن يلين منصلابة رأس ذلك الرجل، أو يوفق بين الرأسين في الحلال. ولاشك أن ذلك العم كانت لديه أسباب عديدة .. لكن أحدا لم يخبرنا عنها . إننا نعرففقط أن التقاليد العربية في ذلك الوقت هي التي أملت عليه كلمة لا، وأن هذه الكلمةتعلقت بلسانه، وسدت أذنيه وأغمضت عينيه فلم ير ابن اخيه يهيم في الصحراء، ولم يرققلبه وهو يستمع لأرقى الشعر يردده كل الناس بعد قيس، يصور فيه لوعته ويذيب شبابهالغض قطرة قطرة على رمال الصحراء التي لا ترتوي . وتمر الأيام، وقيس لايزداد إلا سوءا، لقد غزته حقا كما يقول "جنود الحب من كل جانب"، بل لقد غزته جنودالجنون حتى ذهبت بعقله، وهو جنون بالغ فيه الرواة وتخبطوا في تصويره، ولعب خيالالقصاص في ذلك دوراً كبيراً، حتى تحولت حياة العاشق المسكين على أيديهم إلى حياةيصعب - بل يستحيل - تصورها. والمسألة أبسط مما تصوروا، لقد سيطر الحب على عقلقيس، واستبد به، حتى أذهله عن كل ما عداه، وتركه تائهاً في أوهامه، هائماً فيخيالاته، لا يكاد يصحو منها إلا إذا ذكرت له ليلى. وهو يصور فى شعره حالهتصويراً دقيقاً لا صلة له بمبالغات الرواة وأخيلة القصاص. يقول مرة : أيا ويح من أمسى تخلس عقله ** فأصبح مذهوباً به كلمذهب إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت ** عوازب قلبي من هوى متشعب ويقولأخرى : وإنى لمجنون بليلى موكل ** ولست عزوفا عن هواها ولاجلدا إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة ** لتذكارها حتى يبل البكاالخدا ويقول أيضأ : وشغلت عن فهم الحديث سوى ** ماكان فيك فإنه شغلي وأديم لحظ محدثي لــــــــيرى ** أن قد فهمت وعندكمعقلي وبذل أهله كل ما في وسعهم لينقذوه مما آلت إليه حاله، ولكنمحاولاتهم ذهبت جميعا أدراج الرياح. يقول قيس بن الملوح مصوراً اضطرابه والحيرةالتي به أدق تصوير وأروعه: فوالله ثم والله إني لدائب ** أفكر ما ذنبي إليكوأعجب ؟ ووالله ما أدري علام قتلتني ؟ ** وأي أموري فيك يا ليل أركب ؟ أأقطعحبل الوصل فالموت دونه ؟ ** أم أشرب رنقا منكم ليس يشرب ؟ أم أهرب حتى لا أرى ليمجاورا ؟ ** أم أصنع ماذا أم أبوح فأغلب ؟ فأيهما يا ليل ما ترتضينه؟ ** فإنيلمظلوم ، وإني لمعتب إنها الحيرة والاضطراب والقلق النفسي عبر عنهما قيس هذاالتعبير الرائع، معتمدا على هذا الأسلوب الاستفهامى الحائر، وهذه التقسيماتالمضطربة القلقة لوجوه المشكلة التي يعانيها كما يعانيها غيره من أصحابهالعذريين. وظل قيس في صحرائه غريباً مستوحشاً مشردا لم تبق منه إلا بقية منجسد هزيل، وبقية من عقل شارد كلما ثبت إليه فزع إلى شعره يبثه ما يلقاه في حب ليلىمن عناء وشقاء، وما يقاسيه بسببه من كرب وتباريح، حتى لقي منيته في واد مهجور خشنكثير الحجارة ، بعيداً عن أهله، وليلى التي عذبه حبها ، وبعيداً عنها بعد ما وهبلها حياته وفنه، بعيداً عن أبيها الذي كان سبب شقائه وبلواه، ولكنه لم ينسى أن يوجهإليه قبل أن يودع الحياة أبياتا وجدت بعد موته مكتوبة إلى جواره، والتي صور فيها ماتفيض به نفسه من حقد عليه، كما صور فيها مأساته الحزينة تصويراً دقيقاً مؤثراً : ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضى ** شقيت ولا هنيت منعيشك الغضا شقيت كما أشقيتني وتركتنــــي ** أهيم مع الهلاك لا أطعمالغمضا كأن فؤادي في مخالب طائـــــــر ** إذا ذكرت ليلى يشد بها قبضا كأنفجاج الأرض حلقة خاتــــــــم ** علي فما تزداد طولا ولا عرضا إنهاالنتيجة الطبيعية لهذا الصراع الدائب المتصل الذي لا يهدأ ولا يستقر. أسقاموأدواء وأوجاع وعلل تهجم على العاشق المسكين، فينوء تحت وطأتها جسده الذي أهزلهالضنى، وأضناه الهزال، وتنهار معها أعصابه التي أرهقها الصراع النفسي الذي لا ينتهيإلى نهاية مريحة، والتي أجهدها التفكير في مشكلات معقدة لا حل لها. فالموت فعلاراحة لكل حي. ولاشك أنه كان شخصية فريدة من نوعها .. أو لعلها المبالغاتالتي يولع بها الناس فيزينون بها قصص الحب تعبيراً عما تختزنه قلوبهم من كبتوحرمان. يقولون : إن قيساً كان يغمى عليه كلما ذكر اسم ليلى، سواء كان الحديثعنها بمكروه أو بخير فهو يغشى عليه بمجرد سماعه اسمها ! ويقولون إنه وقف ذاتيوم يتحدث إلى ليلى وفي يده جمرة من نار فأخذت النار تحرق رداءه حتى أتت عليه ووصلتإلى جسمه وقيس لا يشعر ! وفي أواخر أيامه حكي عن قيس أنه عاش مع الوحش فأنسإليه وفضله على بني الإنسان، وأن الوحوش أيضاً صارت تأنس إليه ! فقلوبهم رقت لحاله،بينما ظلت قلوب أهله كالحجر الذي لم يتفتت ولم يذب لسماع أشعار قيسالرائعة. وأسدل الستار على مأساة أخرى من مآسي الحب العذري. ((((( وفي انتظار قصة من نفس النوع وغير بعيدةفي الزمن ولا في الاحداث عن هذه.)))))
| ||||||||
|
| | رقم المشاركة : 13 (permalink) | ||||||||
|
|
قيسولبنى من هذه القصص الشهيرة حكاية قيس آخر، هوقيس بن ذريح الذي عشق لبنى في زمن معاوية. في نفس الوقت الذي شهدت نجد فيه مأساةمجنون ليلى شهد الحجاز مأساة أخرى من مآسي الحب العذري بطلاها قيس بن ذريح وصاحبتهلبنى. هو مضري من كنانة، وهي يمنية من خزاعة، تجمع بينهما صلة نسب من جهةالأم، فقد كانت أم قيس خزاعية. وكانت منازل كنانة في ظاهر المدينة، ومنازل خزاعةفي ضواحي مكة. كان قيس ابن أحد أثرياء البادية، وكان أخا من الرضاعة للحسينبن علي. وذات يوم حار كان قيس في إحدى زياراته لأخواله الخزاعيين وهو يسير فيالصحراء شعر بالعطش الشديد، فاقترب من إحدى الخيام طالبا ماء للشرب ، فخرجت له فتاةطويلة القامة رائعة الجمال ذات حديث حلو هي لبنى بنت الحباب . استسقاها فسقته ،فلما استدار ليمضي إلى حال سبيله دعته لأن يرتاح في خيمتهم قليلاً ويستبرد ، فقبلدعوتها وهو يتأملها بإعجاب شديد . وتقول الحكاية أن أباها الحباب جاء فوجدقيسا يستريح عندهم فرحب به وأمر بنحر الذبائح من أجله واستبقاه يوما كاملاً. ثمتردد عليها وشكا لها حبه فأحبته. وعندما عاد قيس ، مضى إلى أبيه يسأله أن يخطبهاله فأبى. فالأب ذا الثراء العريض كان يريد أن يزوجه واحدة من بنات أعمامه ليحفظثروة العائلة . لقد كان أبوه غنيا كثير المال، وكان قيس وحيده، فأحب أن لا يخرجماله إلى غريبة، وقال له : بنات عمك أحق بك. فمضى إلى أمه يسألها أن تذلل لهالعقبة عند أبيه، فوجد عندها ما وجد عنده. لم يجد قيس أذنا صاغية ، ومع ذلك لمييأس ولجأ إلى الحسين بن علي وكان أخاه في الرضاع، فقد أرضعته أم قيس معه ووسطه فيالأمر. وشاء الله أن تكلل وساطة الحسين بالنجاح. فلقد مضى الحسن إلىالحباب والد لبنى، ثم مضى إلى ذريح والد قيس، واستطاع أن يجمع بين العاشقين برباطالزوجية المقدس. وتحقق لقيس أمله وتزوج من لبناه، لكن القدر أبى عليهما سعادتهماولم يشأ للعاشقين أن يتحولا إلى زوجين عاديين ممن يقتلهما السأم. وظل الزوجانمعا، لعدة سنوات دون أن ينجبا، ودون تردد أشاعت الأسرة أن لبنى عاقر . وخشيأبواه أن يصير مالهما إلى غير ابنهما ، فأرادا له أن يتزوج غيرها لعلها تنجب له منيحفظ عليهما مالهما. ولما كان أبو قيس تواقا لذرية تتوارث ثروته الطائلة، فقدألح على ابنه أن يتزوج من أخرى لتنجب له البنين والبنات. لكن قيسا أبى .. لقدأشفق على لبنى من ضرة تشقيها وتعذبها . كما رفض أيضا أن يطلق زوجه الحبيبة،وتحرجت الأمور بينه وبين أبويه، إنهما مصممان على طلاقها، وهو مصمم علىإمساكها. وظل الأب يلح ويسوق عليه كبار القوم، دون جدوى وإمعانا في الضغطعليه أقسم الأب ألا يظله سقف بيت طالما ظل ابنه مبقيا على زواجه من لبنى . فكان يخرج فيقف في حر الشمس، ويأتي قيس فيقف إلى جانبه ويظله بردائه ويصليهو بالحر حتى يفيء الظل فينصرف عنه، ويدخل إلى لبنى ويبكى وتبكى معه، ويتعاهدان علىالوفاء. وتأزمت المشكلة، وساءت العلاقات بين طرفيها، واجتمع على قيس قومه يلومونهويحذرونه غضب الله في الوالدين، وما زالوا به حتى طلق زوجه. كان قيس شديد البربوالده فلم يشأ أن يتركه يتعذب في الهجير، واضطر اضطرارا لأن يطلق لبنى. رحلتلبنى إلى قومها بمكة، وجزع قيس جزعاً شديداً، وبلغ به الندم أقصى مداه، وتحولتحياته إلى أسف لا ينتهي، وندم لا ينقطع، ودموع لا تتوقف، وحسرات لا تقف عند حد، ولميجد أمامه سوى شعره يبثه أسفه وندمه ودموعه وحسراته. يقول مرة : يقولون: لبنى فتنة كنت قبلهـــــــــا ** بخير، فلا تندمعليها وطلق فطاوعت أعدائي، وعصيت ناصحي ** وأقررت عين الشامت المتخلق وددت،وبيت الله، أني عصيتهــــــم ** وحملت في رضوانها كل موبق وكلفت خوض البحر،والبحر زاخـــــر ** أبيت على أثباج موج مغرق كأني أرى الناس المحبين بعدهـــــا ** عصارة ماء الحنظل المتفلق فتنكر عيني بعدها كل منظــــــــــر ** ويكره سمعيبعدها كل منطق ويقول أخرى : وفارقت لبنى ضلةفكأننـــــــي ** قرنت إلى العيوق ثم هويت فيا ليت أني مت قبل فراقهـــــا ** وهل ترجعن فوت القضية ليت فصرت وشيخي كالذي عثرت به ** غداة الوغى بين العداةكميت فقامت، ولم تضرر هناك، سوـية ** وفارسها تحت السنابك ميت فإن يك هياميبلبنى غوايـــــة ** فقد يا ذريح بن الحباب، غويت فلا أنت ما أملت فيرأيتــــــــه ** ولا أنا لبنى والحياة حويت فوطن لهلكى منك نفسا فإنني ** كأنكبي قد يا ذريح، قضيت لم يتوقف قيس عن ملاحقة لبنى بعد الطلاق . فلم يطق عن لبنى صبرا، واشتد حنينه لها، وشوقه إليها، فعاود زيارتها، وشكاهأبوها للسلطان معاوية، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم يهدر دم قيس إن هو تعرضللبنى ، وحيل بينه وبينها مرة أخرى. ومرة أخرى لا يجد أمامه سوى شعره يبثهأحزانه وآلامه : فإن يحجبوها أو يحل دون وصلهـا ** مقالةواش أو وعيد أمير فلن يمنعوا عيني من دائم البكــــــا ** ولن يذهبوا ما قد أجنضمير إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ** ومن كرب تعتادني وزفير ومن حرق للحبفي باطن الحشـــى ** وليل طويل الحزن غير قصير سأبكي على نفسي بعين غزيـــرة ** بكاء حزين في الوثاق أسير وكنا جميعاً قبل أن يظهر الهــــوى ** بأنعم حال وغبطةوسرور فما برح الواشون حتى بدت لهــــــم ** بطون الهوى مقلوبة لظهور لقد كنتحسب النفس لـــــــــــــو دام ** وصلنا ولكن ما الدنيا متاعغرور ومع ذلك فقد كانت تتاح للعاشقين من حين إلى حين فرصة لقاء يائسحزين تزداد معه حرق الحب تأججاً واشتعالا، ويتجسم بعده الشعور بالحرمان، والإحساسبالحسرة والندم. وساءت حال قيس، واعتلت صحته، وأصابه هزال وذهول شديدان، وأشارقومه على أبيه أن يزوجه عله ينسى حبهالقديم. وتزوج قيس كارها زواجاً لا سعادةفيه، وبلغ الخبر لبنى فتزوجت هي أيضاً زواجا لا سعادة فيه، وتقول الروايات أنلبنى لما سمعت بإهدار دم قيس قبلت الزواج من رجل آخر وهو خالد بن حلزة، لكي تجبرقيسا على الابتعاد عنها وتحميه من القتل ، وأن قيسا تزوج بعد سماعه بزواجلبنى. أيا كانت الروايات فلبنى فعلت ذلك وهي ما تزال تكن كل الحب لزوجها السابققيس ، وقيس كان يعلم بذلك. كان قيس يعرف أن لبنى تحبه بمقدار ما أحبها، فركبراحلته وذهب إلى خيام أهلها وهناك راح ينشد الشعر. يقول قيس بن ذريح مصورا كيفيروض نفسه على الرضا بالحرمان الذي فرض عليه، والتشبث بالآمال الضائعة التي أفلتتمنه : إن تك لبنى قد أتى دون قربهـــا ** حجاب منيع ماإليه سبيل فإن نسيم الليل يجمع بينــــــنـــا **ونبصر قرن الشمس حينتزول وأرواحنا بالليل في الحي تلتقي ** ونعلم أنا بالنهار نقيل وتجمعنا الأرضالقرار، وفوقنــــا ** سماء نرى فيها النجوم تجول إلى أن يعود الدهرسلمــــــــــــا ** ترات بغاها عندنا وذحول ويقول قيس بن ذريح مصوراعجزه عن نسيان لبنى، وكيف يخونه الصبر كلمامرت به ذكراها: أريد سلوا عن لبنى وذكرهـــا ** فيأبى فؤادي المستهام المتيم إذا قلتأسلوها تعرض ذكرها ** وعاودني من ذاك ما الله أعلم صحا كل ذي ود علمت مكانــه** سواي فإني ذاهب العقل مغرم ويقول أيضا مصوراً محاولاته السلوان، وكيفترده عنها نفسه الوالهة ودموعه المهراقة، حتى لتصبح هذه المحاولات تكليفا لنفسه فوقما تطيق. ففي أعماقه نار لا تكف عن التأجج والتوهج : وحدثتنى يا قلب أنك صابـــــــــر ** على البين من لبنى فسوفتذوق قمت كمدا أو عش سقيما فإنمــــا ** تكلفني ما لا أراك تطيق إذا أنا عزيتالهوى أو تركتــــــه ** أنت عبرات بالدموع تسوق كأن الهوى بين الحيازيم والحشـا ** وبين التراقي واللهاة حريق أريد سلوا عنكم فيردنـــــــــــــى ** عليك منالنفس الشعاع فريق ورحل بها زوجها إلى المدينة، وكأنما شاءت الأقدارأن تقرب لبنى من قيس لتزيد من ندمه وأسفه وحسراته. واشتد جزع قيس، ولم يلبث أناستطار عقله ولحقه مثل الجنون ، وضاقت السبل فى وجهه، ثم خطر له أن يلجأ إلى يزيدبن معاوية ليتوسط له عند أبيه حتى يلغي أمره السابق بإهدار دمه. ونجحت وساطة يزيد،وعفا معاوية عن قيس، فعاود زيارة لبنى. وانتشر أمر قيس في المدينة، وغنى في شعرهمغنوها ومغنياتها، فلم يبق شريف ولا وضيع إلا سمع بذلك فأطربه وحزن لقيس مما ألمبه. وقد روى الأصفهاني في كتابه "الأغانى" أن أشعار قيس لحنها الملحنون وغناهاالمطربون فاشتهرت وذاع صيتها حتى سمع بها زوج لبنى وساءت العلاقات بينهما ، فثارعليها، لكنها لم تعبأ بثورته وطالبته أن يطلقها إن شاء . ولكن الزوج أدرك ألاخطأ لها ولا ذنب، فهدأت ثائرته، ويقال أنه أراد أن يصلحها فأحضر الجواري من المدينةليغنين لها أشعار قيس! وعادت الأمور تتعقد في وجه قيس مرة أخرى، وازدادت همومهوأعباؤه، وأخذت صحته في الانهيار، والأسقام تلح عليه إلحاحاً عنيفاً. يقول تارة : إذا ذكرت لبنى تأوه واشتكى ** تأوه محمود عليهالبلابل يبيت ويضحي تحت ظل منــــية ** به رمق تبكي عليه القبائل قتيل للبنىصدع الحب قلبــــه ** وفي الحب شغل للمحبين شاغل ويقول تارة أخرى : سلا كل ذى شجو علمت مكانــــه ** وقلبى للبنى ما حييتودود وقائلة قد مات أو هو ميــــــــــت ** وللنفس مني أن تفيض رصيد أعالج مننفسي بقايا حشاشــة ** على رمق، والعائدات تعود فإن ذكرت لبنى هششت لذكرها ** كما هش للثدي الدرور وليد أجيب بلبنى من دعاني تجلـــــدا ** وبي زفرات تنجليوتعود تعيد إلى روحي الحياة، وإننــي ** بنفسي لو عاينتنيلأجود حكاية لبنى تختلف كثيراً عن صاحبتيها ليلى وبثينة، فالقدر هوالذي فرق بينها وبين قيس بن ذريح، ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئا وليومنا هذا مازالالاتهام يحاصر الزوجة أولا إذا لم تنجب، فإذا ثبت أن الزوج هو السبب نصحت بأن تضحيمن أجله وتبقى معه، أما إذا ثبت أن الزوجة هى العاقر فلا أحد يطالب الزوج بأيتضحية، ويصبح من حقه أن يتزوج عليها أو أن يطلقها . وحكاية الأصفهاني تدل على أنلبنى لم تسلم قلبها للزوج الثاني الذي فرض عليها فرضاً، وظلت حزينة مجروحة الفؤادتبكي بحرقة كلما تذكرت قيسا، أو كلما سمعت أشعاره الحزينة ترددها الجواري في مجالسالغناء . ثم تكون النهاية التي اختلف الرواة حولها، فمن قائل إن زوجها طلقهافأعادها قيس إلى عصمته ولم تزل معه حتى ماتا، ومن قائل إنهما ماتا على افتراقهما،وعلى ذلك أكثر الرواة. ثم يختلفون بعد ذلك، فمنهم من يقول إنه مات قبلها وبلغهانعيه فماتت أسفا عليه، ومنهم من يقول إنها ماتت قبله، فخرج ومعه جماعة من أهله،فوقف على قبرها،ثم أكب عليه وظل يبكي حتى أعمى عليه، فحملوه إلى بيته وهو لا يعيشيئاً، ولم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب حتى مات بعد ثلاثة أيام، ويقال أنه فقدعقله، وظل طريح الفراش حتى لحق بها، فدفن إلى جوارها . وهي أكثر الرواياتوأرجحها فقد بكاها قيس وأنشد على قبرها هاته الأبيات التي نسبت إليه : ماتت لبنىفموتها موتي هل ** تنفعن حسرتي على الفوت وسوف أبكي بكاء مكتئب ** قضى حياة وجداعلى موت وبهذه النهاية أسدل الستار على مأساة أخرى من مآسي الحبالعذري. وإذا كانت مأساة قيس بن ذريح ولبنى تمثل شيئاً من الخروج على هذاالتشابه، فإن الإطار العام الذي دارت في داخله أحداثها يوشك أن يكون نفس الإطارالذي دارت فيه سائر المآسي الأخرى. عاشقان يحب كل منهما صاحبه إلى درجة الجنون،ثم عقبات تعترض طريق سعادتهما فتفرض عليهما الشقاء والحرمان، ثم موت يطويهما، وستارحزين يسدل على المأساة، وذكريات تبقى، وشعر يخلد، ورمال البادية المتحركة تطوي فيأعماقها أسرارا، وتكشف أسرارا أخرى. وهكذا لم يستطع تحكم الأهل ولا سيطرةالعرف والتقاليد، ولا احتجاب لبنى عن حبيبها، أو ابتعادها أو زواجها من رجل آخر أنيحملوا قيسا على نسيانها . بل لعل هذه الأمور مجتمعة كانت وقودا أشعل نار الحبفي قلب شاعرنا . وجعلها تزداد اضطراما مع الأيام، كما كانت جذوة ألهبت موهبتهفانطلق يقول أعذب الشعر .
| ||||||||
|
| | رقم المشاركة : 14 (permalink) | ||||||||
|
|
قيسولبنى من هذه القصص الشهيرة حكاية قيس آخر، هوقيس بن ذريح الذي عشق لبنى في زمن معاوية. في نفس الوقت الذي شهدت نجد فيه مأساةمجنون ليلى شهد الحجاز مأساة أخرى من مآسي الحب العذري بطلاها قيس بن ذريح وصاحبتهلبنى. هو مضري من كنانة، وهي يمنية من خزاعة، تجمع بينهما صلة نسب من جهةالأم، فقد كانت أم قيس خزاعية. وكانت منازل كنانة في ظاهر المدينة، ومنازل خزاعةفي ضواحي مكة. كان قيس ابن أحد أثرياء البادية، وكان أخا من الرضاعة للحسينبن علي. وذات يوم حار كان قيس في إحدى زياراته لأخواله الخزاعيين وهو يسير فيالصحراء شعر بالعطش الشديد، فاقترب من إحدى الخيام طالبا ماء للشرب ، فخرجت له فتاةطويلة القامة رائعة الجمال ذات حديث حلو هي لبنى بنت الحباب . استسقاها فسقته ،فلما استدار ليمضي إلى حال سبيله دعته لأن يرتاح في خيمتهم قليلاً ويستبرد ، فقبلدعوتها وهو يتأملها بإعجاب شديد . وتقول الحكاية أن أباها الحباب جاء فوجدقيسا يستريح عندهم فرحب به وأمر بنحر الذبائح من أجله واستبقاه يوما كاملاً. ثمتردد عليها وشكا لها حبه فأحبته. وعندما عاد قيس ، مضى إلى أبيه يسأله أن يخطبهاله فأبى. فالأب ذا الثراء العريض كان يريد أن يزوجه واحدة من بنات أعمامه ليحفظثروة العائلة . لقد كان أبوه غنيا كثير المال، وكان قيس وحيده، فأحب أن لا يخرجماله إلى غريبة، وقال له : بنات عمك أحق بك. فمضى إلى أمه يسألها أن تذلل لهالعقبة عند أبيه، فوجد عندها ما وجد عنده. لم يجد قيس أذنا صاغية ، ومع ذلك لمييأس ولجأ إلى الحسين بن علي وكان أخاه في الرضاع، فقد أرضعته أم قيس معه ووسطه فيالأمر. وشاء الله أن تكلل وساطة الحسين بالنجاح. فلقد مضى الحسن إلىالحباب والد لبنى، ثم مضى إلى ذريح والد قيس، واستطاع أن يجمع بين العاشقين برباطالزوجية المقدس. وتحقق لقيس أمله وتزوج من لبناه، لكن القدر أبى عليهما سعادتهماولم يشأ للعاشقين أن يتحولا إلى زوجين عاديين ممن يقتلهما السأم. وظل الزوجانمعا، لعدة سنوات دون أن ينجبا، ودون تردد أشاعت الأسرة أن لبنى عاقر . وخشيأبواه أن يصير مالهما إلى غير ابنهما ، فأرادا له أن يتزوج غيرها لعلها تنجب له منيحفظ عليهما مالهما. ولما كان أبو قيس تواقا لذرية تتوارث ثروته الطائلة، فقدألح على ابنه أن يتزوج من أخرى لتنجب له البنين والبنات. لكن قيسا أبى .. لقدأشفق على لبنى من ضرة تشقيها وتعذبها . كما رفض أيضا أن يطلق زوجه الحبيبة،وتحرجت الأمور بينه وبين أبويه، إنهما مصممان على طلاقها، وهو مصمم علىإمساكها. وظل الأب يلح ويسوق عليه كبار القوم، دون جدوى وإمعانا في الضغطعليه أقسم الأب ألا يظله سقف بيت طالما ظل ابنه مبقيا على زواجه من لبنى . فكان يخرج فيقف في حر الشمس، ويأتي قيس فيقف إلى جانبه ويظله بردائه ويصليهو بالحر حتى يفيء الظل فينصرف عنه، ويدخل إلى لبنى ويبكى وتبكى معه، ويتعاهدان علىالوفاء. وتأزمت المشكلة، وساءت العلاقات بين طرفيها، واجتمع على قيس قومه يلومونهويحذرونه غضب الله في ****************، وما زالوا به حتى طلق زوجه. كان قيس شديد البربوالده فلم يشأ أن يتركه يتعذب في الهجير، واضطر اضطرارا لأن يطلق لبنى. رحلتلبنى إلى قومها بمكة، وجزع قيس جزعاً شديداً، وبلغ به الندم أقصى مداه، وتحولتحياته إلى أسف لا ينتهي، وندم لا ينقطع، ودموع لا تتوقف، وحسرات لا تقف عند حد، ولميجد أمامه سوى شعره يبثه أسفه وندمه ودموعه وحسراته. يقول مرة : يقولون: لبنى فتنة كنت قبلهـــــــــا ** بخير، فلا تندمعليها وطلق فطاوعت أعدائي، وعصيت ناصحي ** وأقررت عين الشامت المتخلق وددت،وبيت الله، أني عصيتهــــــم ** وحملت في رضوانها كل موبق وكلفت خوض البحر،والبحر زاخـــــر ** أبيت على أثباج موج مغرق كأني أرى الناس المحبين بعدهـــــا ** عصارة ماء الحنظل المتفلق فتنكر عيني بعدها كل منظــــــــــر ** ويكره سمعيبعدها كل منطق ويقول أخرى : وفارقت لبنى ضلةفكأننـــــــي ** قرنت إلى العيوق ثم هويت فيا ليت أني مت قبل فراقهـــــا ** وهل ترجعن فوت القضية ليت فصرت وشيخي كالذي عثرت به ** غداة الوغى بين العداةكميت فقامت، ولم تضرر هناك، سوـية ** وفارسها تحت السنابك ميت فإن يك هياميبلبنى غوايـــــة ** فقد يا ذريح بن الحباب، غويت فلا أنت ما أملت فيرأيتــــــــه ** ولا أنا لبنى والحياة حويت فوطن لهلكى منك نفسا فإنني ** كأنكبي قد يا ذريح، قضيت لم يتوقف قيس عن ملاحقة لبنى بعد الطلاق . فلم يطق عن لبنى صبرا، واشتد حنينه لها، وشوقه إليها، فعاود زيارتها، وشكاهأبوها للسلطان معاوية، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم يهدر دم قيس إن هو تعرضللبنى ، وحيل بينه وبينها مرة أخرى. ومرة أخرى لا يجد أمامه سوى شعره يبثهأحزانه وآلامه : فإن يحجبوها أو يحل دون وصلهـا ** مقالةواش أو وعيد أمير فلن يمنعوا عيني من دائم البكــــــا ** ولن يذهبوا ما قد أجنضمير إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى ** ومن كرب تعتادني وزفير ومن حرق للحبفي باطن الحشـــى ** وليل طويل الحزن غير قصير سأبكي على نفسي بعين غزيـــرة ** بكاء حزين في الوثاق أسير وكنا جميعاً قبل أن يظهر الهــــوى ** بأنعم حال وغبطةوسرور فما برح الواشون حتى بدت لهــــــم ** بطون الهوى مقلوبة لظهور لقد كنتحسب النفس لـــــــــــــو دام ** وصلنا ولكن ما الدنيا متاعغرور ومع ذلك فقد كانت تتاح للعاشقين من حين إلى حين فرصة لقاء يائسحزين تزداد معه حرق الحب تأججاً واشتعالا، ويتجسم بعده الشعور بالحرمان، والإحساسبالحسرة والندم. وساءت حال قيس، واعتلت صحته، وأصابه هزال وذهول شديدان، وأشارقومه على أبيه أن يزوجه عله ينسى حبهالقديم. وتزوج قيس كارها زواجاً لا سعادةفيه، وبلغ الخبر لبنى فتزوجت هي أيضاً زواجا لا سعادة فيه، وتقول الروايات أنلبنى لما سمعت بإهدار دم قيس قبلت الزواج من رجل آخر وهو خالد بن حلزة، لكي تجبرقيسا على الابتعاد عنها وتحميه من القتل ، وأن قيسا تزوج بعد سماعه بزواجلبنى. أيا كانت الروايات فلبنى فعلت ذلك وهي ما تزال تكن كل الحب لزوجها السابققيس ، وقيس كان يعلم بذلك. كان قيس يعرف أن لبنى تحبه بمقدار ما أحبها، فركبراحلته وذهب إلى خيام أهلها وهناك راح ينشد الشعر. يقول قيس بن ذريح مصورا كيفيروض نفسه على الرضا بالحرمان الذي فرض عليه، والتشبث بالآمال الضائعة التي أفلتتمنه : إن تك لبنى قد أتى دون قربهـــا ** حجاب منيع ماإليه سبيل فإن نسيم الليل يجمع بينــــــنـــا **ونبصر قرن الشمس حينتزول وأرواحنا بالليل في الحي تلتقي ** ونعلم أنا بالنهار نقيل وتجمعنا الأرضالقرار، وفوقنــــا ** سماء نرى فيها النجوم تجول إلى أن يعود الدهرسلمــــــــــــا ** ترات بغاها عندنا وذحول ويقول قيس بن ذريح مصوراعجزه عن نسيان لبنى، وكيف يخونه الصبر كلمامرت به ذكراها: أريد سلوا عن لبنى وذكرهـــا ** فيأبى فؤادي المستهام المتيم إذا قلتأسلوها تعرض ذكرها ** وعاودني من ذاك ما الله أعلم صحا كل ذي ود علمت مكانــه** سواي فإني ذاهب العقل مغرم ويقول أيضا مصوراً محاولاته السلوان، وكيفترده عنها نفسه الوالهة ودموعه المهراقة، حتى لتصبح هذه المحاولات تكليفا لنفسه فوقما تطيق. ففي أعماقه نار لا تكف عن التأجج والتوهج : وحدثتنى يا قلب أنك صابـــــــــر ** على البين من لبنى فسوفتذوق قمت كمدا أو عش سقيما فإنمــــا ** تكلفني ما لا أراك تطيق إذا أنا عزيتالهوى أو تركتــــــه ** أنت عبرات بالدموع تسوق كأن الهوى بين الحيازيم والحشـا ** وبين التراقي واللهاة حريق أريد سلوا عنكم فيردنـــــــــــــى ** عليك منالنفس الشعاع فريق ورحل بها زوجها إلى المدينة، وكأنما شاءت الأقدارأن تقرب لبنى من قيس لتزيد من ندمه وأسفه وحسراته. واشتد جزع قيس، ولم يلبث أناستطار عقله ولحقه مثل الجنون ، وضاقت السبل فى وجهه، ثم خطر له أن يلجأ إلى يزيدبن معاوية ليتوسط له عند أبيه حتى يلغي أمره السابق بإهدار دمه. ونجحت وساطة يزيد،وعفا معاوية عن قيس، فعاود زيارة لبنى. وانتشر أمر قيس في المدينة، وغنى في شعرهمغنوها ومغنياتها، فلم يبق شريف ولا وضيع إلا سمع بذلك فأطربه وحزن لقيس مما ألمبه. وقد روى الأصفهاني في كتابه "الأغانى" أن أشعار قيس لحنها الملحنون وغناهاالمطربون فاشتهرت وذاع صيتها حتى سمع بها زوج لبنى وساءت العلاقات بينهما ، فثارعليها، لكنها لم تعبأ بثورته وطالبته أن يطلقها إن شاء . ولكن الزوج أدرك ألاخطأ لها ولا ذنب، فهدأت ثائرته، ويقال أنه أراد أن يصلحها فأحضر الجواري من المدينةليغنين لها أشعار قيس! وعادت الأمور تتعقد في وجه قيس مرة أخرى، وازدادت همومهوأعباؤه، وأخذت صحته في الانهيار، والأسقام تلح عليه إلحاحاً عنيفاً. يقول تارة : إذا ذكرت لبنى تأوه واشتكى ** تأوه محمود عليهالبلابل يبيت ويضحي تحت ظل منــــية ** به رمق تبكي عليه القبائل قتيل للبنىصدع الحب قلبــــه ** وفي الحب شغل للمحبين شاغل ويقول تارة أخرى : سلا كل ذى شجو علمت مكانــــه ** وقلبى للبنى ما حييتودود وقائلة قد مات أو هو ميــــــــــت ** وللنفس مني أن تفيض رصيد أعالج مننفسي بقايا حشاشــة ** على رمق، والعائدات تعود فإن ذكرت لبنى هششت لذكرها ** كما هش للثدي الدرور وليد أجيب بلبنى من دعاني تجلـــــدا ** وبي زفرات تنجليوتعود تعيد إلى روحي الحياة، وإننــي ** بنفسي لو عاينتنيلأجود حكاية لبنى تختلف كثيراً عن صاحبتيها ليلى وبثينة، فالقدر هوالذي فرق بينها وبين قيس بن ذريح، ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئا وليومنا هذا مازالالاتهام يحاصر الزوجة أولا إذا لم تنجب، فإذا ثبت أن الزوج هو السبب نصحت بأن تضحيمن أجله وتبقى معه، أما إذا ثبت أن الزوجة هى العاقر فلا أحد يطالب الزوج بأيتضحية، ويصبح من حقه أن يتزوج عليها أو أن يطلقها . وحكاية الأصفهاني تدل على أنلبنى لم تسلم قلبها للزوج الثاني الذي فرض عليها فرضاً، وظلت حزينة مجروحة الفؤادتبكي بحرقة كلما تذكرت قيسا، أو كلما سمعت أشعاره الحزينة ترددها الجواري في مجالسالغناء . ثم تكون النهاية التي اختلف الرواة حولها، فمن قائل إن زوجها طلقهافأعادها قيس إلى عصمته ولم تزل معه حتى ماتا، ومن قائل إنهما ماتا على افتراقهما،وعلى ذلك أكثر الرواة. ثم يختلفون بعد ذلك، فمنهم من يقول إنه مات قبلها وبلغهانعيه فماتت أسفا عليه، ومنهم من يقول إنها ماتت قبله، فخرج ومعه جماعة من أهله،فوقف على قبرها،ثم أكب عليه وظل يبكي حتى أعمى عليه، فحملوه إلى بيته وهو لا يعيشيئاً، ولم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب حتى مات بعد ثلاثة أيام، ويقال أنه فقدعقله، وظل طريح الفراش حتى لحق بها، فدفن إلى جوارها . وهي أكثر الرواياتوأرجحها فقد بكاها قيس وأنشد على قبرها هاته الأبيات التي نسبت إليه : ماتت لبنىفموتها موتي هل ** تنفعن حسرتي على الفوت وسوف أبكي بكاء مكتئب ** قضى حياة وجداعلى موت وبهذه النهاية أسدل الستار على مأساة أخرى من مآسي الحبالعذري. وإذا كانت مأساة قيس بن ذريح ولبنى تمثل شيئاً من الخروج على هذاالتشابه، فإن الإطار العام الذي دارت في داخله أحداثها يوشك أن يكون نفس الإطارالذي دارت فيه سائر المآسي الأخرى. عاشقان يحب كل منهما صاحبه إلى درجة الجنون،ثم عقبات تعترض طريق سعادتهما فتفرض عليهما الشقاء والحرمان، ثم موت يطويهما، وستارحزين يسدل على المأساة، وذكريات تبقى، وشعر يخلد، ورمال البادية المتحركة تطوي فيأعماقها أسرارا، وتكشف أسرارا أخرى. وهكذا لم يستطع تحكم الأهل ولا سيطرةالعرف والتقاليد، ولا احتجاب لبنى عن حبيبها، أو ابتعادها أو زواجها من رجل آخر أنيحملوا قيسا على نسيانها . بل لعل هذه الأمور مجتمعة كانت وقودا أشعل نار الحبفي قلب شاعرنا . وجعلها تزداد اضطراما مع الأيام، كما كانت جذوة ألهبت موهبتهفانطلق يقول أعذب الشعر .
| ||||||||
|
| | رقم المشاركة : 16 (permalink) | ||||||||
|
|
جميلوبثينة قريبا من الوقت الذى شهدت فيه نجد مأساةقيس وليلى، وشهد الحجاز مأساة قيس ولبنى، شهدت أرض بنى عذرة مأساة أخرى من مآسىالحب العذرى، هى مأساة جميل وبثينة. إذا كانت مأساة قيس وليلى على شهرتهاالمستفيضة أشد هذه المآسي اختلاطاً واضطرابا لكثرة ما دخلها من وضع الرواة، وتزيدالقصاص، وأوهام السمار، فإن مأساة جميل وبثينة أبعد هذه المآسي عن الاختلاطوالاضطراب، وأقربها إلى الواقع الذي نجا من عبث أصحاب الرواية والقصصوالسمر. حدثت القصة في العصر الأموي وفي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان أوالخليفة الوليد بن عبد الملك. كانت بثينة فتاة من بني الأحب، وهم من رهط بنيعذرة، وكذلك جميل، كان من رهط آخر من بني عذرة هم رهط عامر، وبني عذرة كانت تنزل فيالبادية العربية شمال الحجاز، في وادي القرى الذي يقع على مقربة من الطريق التجاريبين مكة والشام ، وهو واد خصب، استقرت به تلك القبيلة، وكانت مشهورة منذ العصرالجاهلي بالقوة والمنعة والشرف. وقد دخلت بنو عذرة الإسلام في السنة السابقةللهجرة، وشارك أبناؤها في غزوات الرسول وفي الفتوحات الإسلامية . أحب جميل بنمعمر العذري بثينة بنت الحباب وبدأت القصة كالتالي : رأى بثينة وهو يرعى إبلأهله، وجاءت بثينة بإبل لها لترد بها الماء، فنفرت إبل جميل، فسبها، ولم تسكت بثينةوإنما ردت عليه، أي سبته هي أيضاً.. وبدلا من أن يغضب أعجب بها، واستملح سبابهافأحبها وأحبته، وبدأت السطور الأولى في قصة هذا الحب العذري الخالدة. حيثتطور الإعجاب إلى حب، ووجد ذلك صدى لديها، فأحبته هي أيضاً، وراحا يتواعدانسرا. يقول جميل : وأول ما قاد المودة بيننـــا ** بواديبغيض، يا بثين، سباب فقلنا لها قولا فجاءت بمثله ** لكل كلام، يا بثين،جواب وتمر الأيام، وسطور القصة تتوالى سطراً بعد سطر. لقد اشتدهيام جميل ببثينة،واشتد هيامها به، وشهدت أرض عذرة العاشقين يلتقيان ولا يكادأحدهما يصبر عن صاحبه. وكلما التقيا زادت أشواقهما، فيكرران اللقاء حتى شاعتقصتهما، واشتهر أمرهما، ووصل الخبر إلى أهل بثينة ، فتوعده قومها، وبدلاً من أنيقبلوا يد جميل التي امتدت تطلب القرب منهم في ابنتهم رفضوها، وأبوا بثينة عليهوردوه دونها، وتوعدوه بالانتقام، ولكي يزيدوا النار اشتعالاً سارعوا بتزويج ابنتهممن فتى منهم، هو نبيه بن الأسود العذري. وكان جميل من فتيان عذرة وفرسانهاالأشداء، وكان قومه أعز من قوم بثينة، فوقف في وجههم فجميل لم يستسلم، بل راح يتحدىأهل بثينة، ويهزأ بهم، ويهددهم منشدا : ولو أن ألفا دونبثينة كلهم ** غيارى، وكل حارب مزمع قتلي لحاولتها إما نهارا مجاهـــرا ** وإماسرى ليل ولو قطعت رجلي ويقول أخرى: فليترجالا فيك قد نذروا دمـــي ** وهموا بقتلي، يا بثين، لقوني إذا ما رأوني طالعاًمن ثنيــــــة ** يقولون: من هذا ؟ وقد عرفوني يقولون لي: أهلا وسهلا ومرحبا ** ولو ظفروا بي خاليا قتلوني ولم يغير هذا الزواج من الحب الجارف الذيكان يملأ على العاشقين قلبيهما، فقد كان جميل فارسا شجاعا يعتز بسيفه وسهامه، فلميتأثر حبه لبثينة بزواجها، ووجد السبل إلى لقائها سراً في غفلة من الزوج. وظلتالعلاقة بينهما كما كانت من قبل، يزورها سرا في غفلة من زوجها، أو يلتقيان خارج بيتالزوجية، وما بينهما سوى الطهر والعفاف. وكان الزوج يعلم باستمرار علاقة بثينةبجميل ولقاءاتهما السرية، فيلجأ إلى أهلها ويشكوها لهم، ويشكو أهلها إلى أهلجميل. لكي تتوقف اللقاءات فترة، ثم تعود أقوى وأشد مما كانت. فبثينة لم تكنتعبأ بما قد يفعله زوجها أو أهلها لقد أرغموها على الزواج بمن لا ترغب، وكان منرأيها عليهم أن يتحملوا وزر فعلتهم. وتحدث إليه أهله في أمر هذه العلاقة الغريبةالتي لا أمل فيها، وهذا الإلحاح الذليل خلف امرأة متزوجة، وحذروه مغبة الاندفاع فيهذا الطريق الشائك الوعر، وما ينطوي عليه من عواقب وخيمة، وهددوه بأن يتبرؤوا منهويتخلوا عنه إذا استمر في ملاحقته لها ، ولكنه لم يستطع أن يبرأ من حبهلبثينة. وهذا كله لم يغير من الأمر شيئا، ولم يفلح في إطفاء الجذوة المتقدة فيقلبي العاشقين. لقد امتنع جميل عن بثينة فترة من الزمن لم تطل، ثم عادت النارتتأجج في فؤاده، فعاود زيارتها، بل تمادى في علاقته بها، وفى تحديه لأهلهاواستهانته بزوجها، فلم يجدوا أمامهم سوى السلطان يشكونه إليه، فشكوه إلى عامر بنربعي وإلى بنى أمية على وادي القرى، فأنذره وأهدر لهم دمه إن رأوهبديارهم. وامتنع جميل عن بثينة مرة أخرى، ومرة أخرى ألح عليه الشوق، ولم يطقعنها صبراً، فعاود زيارتها معرضا نفسه للهلاك. وأعاد أهلها شكواهم إلى السلطان،فطلبه طلبا شديداً. وقد حاول العذريون أن يحلوا مشكلة هذا الصراع بترويض نفوسهمعلى الرضا بالحرمان، وهو رضا أحال حياتهم وهما كاذبا، وسرابا خداعا، وأحلاما لاتقوم على أساس من الواقع العملي الذي تقوم عليه حياة غيرهم من الناس. يقول جميلمعبراً عن هذه الفكرة، فكرة الرضا بالحرمان، والقناعة بالوهم الكاذبالخداع: وإني لأرضى من بثينة بالـــــــــذي ** لو أبصرهالواشي لقرت بلابلة بلا، وبأني لا أستطيع، وبالمنــــى ** وبالأمل المرجو قد خابأمله وبالنظرة العجلى، وبالحول تنقضي ** أواخره لا تلتقيوأوائله لقد تصور هؤلاء العذريون مشكلتهم على أنها قدر مقدور قضاهالله عليهم فلا يملكون معه إلا الصبر عليه والرضا به. يقول جميل معبرآ عن هذهالقدرية المحتومة: لقد لامني فيها أخ ذو قراـــــــبة ** حبيب إليه في ملامته رشدي فقال: أفق، حتى متى أنت هائم ** ببثينة فيها لا تعيدولا تبدي؟ فقلت له: فيها قضى الله ما تـرى ** علي، وهل فيما قضى الله منرد؟ فإن يك رشدا حبها أو غوايـــــة ** فقد جئته، ما كان مني على عمد لقد لجميثاق من الله بيننــــــــــا ** وليس لمن لم يوفلله من عهد إنه لميعد يملك من أمر نفسه شيئا، لقد قضى الله عليه هذا الحب، ولا راد لقضائه، إنه قدرمقدور لا يملك له دفعا ولا ردا. ومع ذلك لم يفلح العذريون في حل مشكلة هذاالصراع فى نفوسهم، أو إقناع أنفسهم بأن المسألة قدر مقدور لا يملكون معه شيئا، أوترويضها على الرضا بالحرمان الذي فرض عليهم، وإنما كانت كلها محاولات يحاولونها، قدينجحون فيها في بعض الأحيان، ولكنهم في أكثر الأحيان كانوا يخفقون. فنرى فيشعرهم الشكوى الصارخة، والأحزان التي يعجزون عن إخفائها، والدموع التي لا يملكونلها كتمانًا، والسخط الذي لا يقدرون على التخلص منه. وشعر العذريين جميعا مطبوعكله بهذا الطابع الحزين الباكي، حتى ليعد هذا الطابع من أقوى طوابعه المميزةوأعمقها. ونعود لبطل قصتنا مرة أخرى. بعد كل الأحداث التي تناولته فر جميلإلى اليمن حيث أخواله من جذام، وظل مقيما بها حتى عزل ابن ربعي، فعاد إلى وطنه ليجدقوم بثينة قد رحلوا إلى الشام، فرحل وراءهم. وكأنما يئس جميل من هذه المطاردةالتي لا تنتهي، والتي أصبح الأمل فيها ضعيفا، والفرصة ضيقة. لقد فرقت البلادبينه وبين صاحبته، ولم يعد لقاؤهما ميسراً كما كان عندما كانت تضمهما جميعاً أرضعذرة، فقرر أن يرحل إلى مصر، ليلحق ببعض قومه الذين سبقوه إليها، واستقروا بها، كمافعلت كثير من القبائل العربية التي هاجرت إليها بعد الفتح. وانتهز جميل فرصةأتيحت له في غفلة من أهل بثينة، فزارها مودعا الوداع الأخير، ثم شد رحاله إلى مصرحيث قضى فترة من الزمن لم تطل، يتشوق إليها، ويحن لها، ويتذكر أيامه معها، ويبكيحبه القديم. يقول جميل : ألا ليت أيام الصفاءجديـــــــــــــد ** ودهرا تولى يا بثين يعود فنغنى كما كنا نكون، وأنتـــــــم ** صديق، وإذ ما تبذلين زهيد وما أنس من الأشياء لا أنس قولـها ** وقد قربتنضوى: أمصر تريد ؟ ولا قولها: لولا العيون التي تــرى ** أتيتك فاعذرني فدتكجدود علقت الهوى منها وليدا فلم يـــزل ** إلى اليوم ينمى حبها ويزيد فلوتكشف الأحشاء صودف تحتها ** لبثينة حب طارف وتليد ألا ليت شعري هل أبيتنليلـــــــة ** بوادي القرى إني إذن لسعيد وهل ألقين سعدي من الدهر مــرة ** ومارث من حبل الصفاء جديد وقد تلتقى الأهواء من بعد يأســة ** وقد تطلب الحاجاتوهي بعيد ولكن القدر أبى أن تلتقي الأهواء بعد يأس، أو أن تدركالحاجات البعيدة، فلم تطل أيام جميل بمصر، فقد أخذ النور يخبو، ثم انطفأ السراج،وودع جميل الحياة بعيداً عن بثينة التي أفنى شبابه في طلبها، بعيداً عن أرض عذرةالتي شهدت أيامهما السعيدة وأيامهما الشقية، بعيدا عن وادي القرى الذي كان يتمنى أنيعود إليه ليبيت فيه ليلة تكتمل له فيها سعادته. يقول جميل مصورا أحزانه الطاحنةالتي تحطم نفسه تحطيما حتى ليوشك أن ينهار تحت وطأتها: وماذكرتك النـــفس يـــــا بثــيــن مـــــــــــرة ** من الدهر إلا كادت النفستتلف وإلا علتني عبرة واســــــتكـــانـــة وفــــاض ** لها جار من الدمعيذرف تعلقتها، والنفس مني صــــحيـــحة فـــمــــــا ** زال ينمى حب جملوتضعف إلى اليوم حتى سل جسمي وشفني وأنكرت ** من نفسي الذي كانتأعرف وفي ظل هذا الصراع الحاد بين اليأس والأمل، وفي ظل هذهالمحاولات السلبية للسلو والنسيان عاش العذريون مخلصين لمحبوباتهم. لقد وهب كلمنهم حياته لواحدة أخلص لها حبه ولم يشرك به حبا آخر، لا يعدوها إلى غيرها، ولايصرف هواه إلى سواها، ولا ينقل فؤاده حيث شاء من الهوى، وإنما يعيش حياته على مافيها من حرمان وأحزان ، فقد ارتبطت حياته بها، وأصبح كل شئ فيها ملكاً لها،واستحالت أيامه ولياليه ذكرياتا وأحلاما استقرت في شعروه وفي لا شعوره فهو يعيش بهاولها وعليها، ولم يعد في قلبه متسع لمحبوبة أخرى بعد أن ثبت حبها فيه كما ثبتت فىالراحتين الأصابع. وبلغ نعيه بثينة بعد حين، فسقطت مغشيا عليها، حتى إذا ماأفاقت أنشدت هذين البيتين اللذين تعاهد فيهما نفسها على الوفاء لعهده والإخلاصلذكراه، واللذين أودعت فيهما كل ما تفيض به نفسها مرارة ويأسا بعده : وإن سلوى عن جميل لساعـة ** من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواءعلينا يا جميل بن معمر ** إذا مت بأساء الحياة ولينها وتمر الأيامعليها بعد ذلك حزينة باكية، وتتوالى الليالي طويلة ثقيلة موحشة، تستعيد فيها ذكرياتحبها البعيدة، وتسترجع ما مر بها في ماضيها السعيد الذي طوته رمال عذرة إلىالأبد. ويأخذ النور يخبو، ثم ينطفئ السراج، وتودع بثينة الحياة بعيدة عن جميلالذي وهبته حبها وإخلاصها، بعيدة عن أرض عذرة ووادي القرى ووادي بغيض حيث خط طفلالحب أول سطر في كتاب حبهما الخالد. كانت النهاية المحتومة التي لا مفر منها،إنه الموت. ودع العاشق حياته على أمل في أن يجمع الله بينه وبين صاحبته بعدالموت، عسى أن يتحقق له فى العالم الخالد ما لم يتحقق له في العالمالفاني. أمنية تمناها كل عاشق عذري، وأغمض عينيه عليها. أمنية تمناها جميلكما تمناها عروة بن حزام قبل حيث يقول : وإني لأهوى الحشرإذ قيل إنني ** وعفراء يوم الحشر ملتقيان فيا ليت محيانا جميعا، وليتــــــنا ** إذا نحن متنا ضمنا كفنان أما جميل فيقول جميل: أعوذ بك اللهم أن تشحط النوى ** ببثينة في أدنى حياتي ولا حشري وجاورإذا ما مت بيني وبينـــها ** فيا حبذا موتي إذا جاورت قبري ويقولأيضا: ألا ليتنا نحيا جميعا، وإن نمت ** يواف ضريحي فيالممات ضريحها فما أنا في طول الحياة براغب ** إذا قيلقد سوى عليها صفيحها وبهذه الأبيات نسدل الستار على مأساة أخرى منمآسي الحب العذري الحزينة. ولكن ما نوع تلك اللقاءات المتكررة بين جميلوبثينة ؟ هل كانت لقاءات بريئة كما يؤكد بعض الرواة ؟! ولكن كيف نصدق تلك الرواياتوجميل نفسه يؤكد لنا في أشعاره أنه كان يقضي الليل كله بصحبة بثينة . مضطجعابجوارها، أحيانا لمدة ثلاث ليال !! فإذا ما أسفر الصبح أو كاد، تشفق بثينة عليه،وتلح عليه أن ينصرف فيأبى معتزاً بسيفه وسهامه ولكنها تلح حتى ينصرف. بعضالروايات تؤكد أن جميلاً كان مستهتراً ماجنا، وبعضها الآخر يؤكد أنه كان عاشقاولها. ويذكر الرواة في أحاديثهم عن هؤلاء العذريين أخباراً كثيرة عن هذه العفةوهذا الطهر، ويصفون لقاء جميل وبثينة في أحضان الليل بعيداً عن أعين الرقباء، وكيفكانا يقضيان الوقت يسألها عن حالها وتسأله عن حاله، وتستنشده ما قال فيها من شعرفينشدها، ولا يزالان يتحدثان، لا يقولان فحشاً ولا هجراً، حتى إذا قارب الصبح ودعكل منهما صاحبه أحسن وداع، وانصرفا وكل منهما يمشي خطوة ويلتفت إلى صاحبه حتىيغيبا. وفى اللحظات الأخيرة من حياة جميل، وهو فوق ذلك المعبر الضيق الذي يفصلبين شط الحياة وشط الموت، أقسم أنه ما وضع يده على بثينة لريبة، وأن أكثر ما كانمنه أن يسند يدها إلى فؤاده. ((((( ولنا لقاءآخر مع قصة جميلة كهذه.)))))
| ||||||||
|
| | رقم المشاركة : 18 (permalink) | ||||||||
|
|
عمرو بن كعبوعقيلة هذه صورة أيضاً كانت فيها مأساة عمرو بنكعب بن النعمان الملك وابنة عمه عقيلة. نشأ عمرو معها في بيت أبيها بعد وفاةأبيه، وربط الحب بين القلبين الصغيرين، حتى إذا ما كبرا تقدم إلى أبيها يطلب عونهلما كان بين أسرتيهما من صلة. ثم يبلغه أن عمه زوج عقيلة لأحد من بني فزارة،فكانت صدمة له لم تقوى على احتمالها أعصابه فانهار، وانطلق إلى الصحراء ذاهلا عن كلشيء هائما على وجهه في إقليم اليمامة، وقد شد بصره إلى السماء، حتى أدركته منيته فيتيه لم يعرف مكانه فيه. وفى بيت الفزارة تعيش عقيلة كما يذكر الرواة عذراء،وتنهار أعصاب زوجها، فيخرج هو أيضا إلى الصحراء هائما على وجهه فلا يدري أينمذهبه. وتعود عقيلة إلى بيت أبيها تندب حظها، وتبكي مأساتها، وتدب الأدواءوالأسقام في جسدها حتى تذويه وتضنيه، ثم يضمها الموت إليه لتلحقبحبيبها. (((((هذا ما وصل من أحداث هذهالقصة)))))
| ||||||||
|
![]() |
| مواقع النشر |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
| |
المواضيع المتشابهه | ||||
| المواضيع المتشابهه للموضوع: أشهر قصص الحب العذري في التاريخ العربي | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| ليس من يتكلم عن الحب مثل اللي يتالم من الحب | FARFOoORH | المنتدى العام - مواضيع عامه General | 19 | 09-07-08 06:01 |
| أروع ما قيل في الحب | dhome | خواطر رومانسية - عذب الكلام - خواطر -Reflections romantic | 12 | 04-07-08 10:36 |
| موسوعة العالم العربي... | lolo-ayam | السياحه والسفر - جولات حول العالم-Tourism Travel | 22 | 02-07-08 01:46 |
| الحــــــــــــــــــــــــب | FARFOoORH | المنتدى العام - مواضيع عامه General | 14 | 16-06-08 04:14 |
منتديات دليل توبيكات العاب ماسنجر صور اسلام فساتين برامج الفوتوشوب رسائل برامج ديكور العب معنا قصص
برنامج الوافي رسائل حب خواطر ترددات القنوات صور رومانسية صور اطفال صور افاعي برنامج الفوتوشوب فساتين للمراهقات
فساتين سهره توبيكات ملونه صور شباب اجعل الويندز اصلي صور روعه ماسنجر محول الصوتيات برنامج فرونت بيج برنامج ريل بلير
Ares . Kaspersky . Yahoo . YouTube . Flash Player . NOD32 . bearshare . LimeWire . winrar