بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته رجل مهمته إنقاذ المقدمين على الانتحار في مشاهد مصورة بن دلموك: مفاوضات الساعة الأخيرة تنقل «المنتحر» من اليأس إلى الأمل! (ومَنْ أَحْيَاهَا فَكَأنّمَا أحيَا النَّاسَ جميعاً).. التفاوض مع شخص يملؤه اليأس، ويكون الحل الوحيد لمشكلاته هو الموت.. مسؤولية كبيرة، ومهمة عظيمة، لا يقدر عليها إلا مَن أوتي صبراً ومهارة وإصراراً على إنقاذ المقدمين على الانتحار، ولقد نجح النقيب سعيد بن دلموك، من شرطة دبي، في إنقاذ العديد من هؤلاء. «سيدتي» تحاوره حول آخر حادثة محاولة انتحار، وكيف تمكن من النزول بالشاب من سطح البناية، على قدميه، لا جثة هامدة، وها نحن ننشر المقابلة مع الصور التي سجلت مشاهد الحادث لحظة بلحظة.. دبي: أشرف شتا مسرح الحادثة: مبنى من 7 طوابق في منطقة الرفاعة (بر دبي). التوقيت: الواحدة ظهراً. الشاب يهدد بإلقاء نفسه من فوق السطح.. والمهلة 3 ساعات. البطل المنقذ: إماراتي في زيه الوطني، يقترب منه ببطء، يسأله عن مشكلته التي تدفعه إلى الانتحار. الدافع للانتحار: فشل في الحصول على وظيفة، وديون، وعجز عن مداواة أم مريضة في بلده العربي. تكتيك الإنقاذ: إيهام المقدم على الانتحار بأن مسؤولاً مهماً تعرف إلى المشكلة وقدم وعداً بالمساعدة. فريق الإسناد عبر الموبايل: مسؤولون بغرفة العمليات، ومزودو بيانات من كافة فروع شرطة دبي، ومتابعون للموقف أسفل البناية (مسرح الحدث). النهاية: قبيل المهلة المحددة بدقائق.. يستسلم الشاب المقدم على الانتحار، ويصطحبه الإماراتي بن دلموك وسط تهليل الجمهور. مدة الدراما: 160 دقيقة. سألنا النقيب سعيد بن دلموك: < ما هي سيكولوجية التحاور مع المقدم على الانتحار؟ من خلال لغة الجسد أعرف فيم يفكر، بطبيعة الحال، أطلب منه التمهل، وفي الوقت ذاته أظهر له التعاطف معه، مظهره كان يدل على مأساة حقيقية، كان يرتدي جاكيتة فضفاضة، ربما كان يجري مقابلة للتوظيف وفشل فيها، ومن حين إلى آخر كان ينظر إلى أسفل البناية لتأكيد إقدامه على الهلاك. أقسم له بأنني سأساعده ولن أخدعه.. وهو يقسم بأنه لن يتخلى عن فكرة التخلص من حياته. التصاقه بالعمود يوحي بأنه ينتظر مساعدة لإنقاذه، وربما يوحي بأنه قد بلغ به التعب والإرهاق مبلغه. في هذه اللحظات، كنت أعد الخطط والبدائل على شاشة الموبايل، واستعنت بزميل من إدارة أخرى بالشرطة، ليتحدث إلى الشاب باعتباره مسؤولاً بجهة مهمة مخولة للتعامل مع مثل هذه الحالات، وتقديم المساعدات لها، بينما عرفت نفسي للمقدم على الانتحار، كمسؤول بالعلاقات العامة في هذه الجهة، وبدأت المحادثات عبر الموبايل. شروط ومطالب < وماذا قال للمسؤول على الطرف الآخر خلال الاتصال؟ كان يصرخ بصوت عالٍ بأنه جاد في تهديده، ولو أرادوا إثناءه عن محاولته.. فلا بد أن يوفروا له مبلغاً يسدد منه ديونه، ويبعث جزءاً منه لوالدته المريضة، والمطلب الثاني تمكينه من وظيفة مستقرة تضمن له الكسب والمعيشة بطريقة معقولة، وأخيراً تبرئته من عقوبة محاولة الانتحار. < وبماذا رد عليه المسؤول؟ حين رأيته يصرخ في الموبايل.. أوعزت إليه أن يخفض صوته حتى لا يغضب الرجل (المهم) فيتجاهل مشكلته، وفي الوقت ذاته قال له زميلي، الشاب الإماراتي: إن الاتصالات جارية مع جهات عليا، وسيستغرق حل المشكلة بعض الوقت. < هل اقتنع؟ لم يقتنع بسهولة، ظل يراوغ ويهدد، ولم ينزل من أعلى البناية. صورة الأم < كيف كانت زجاجة المياه مدخلاً للحديث عن والدته المريضة واستثارة عواطفه؟ كان الجو حاراً، وأدركت مدى إجهاده وعطشه، فتقدمت إليه بزجاجة ماء، وقلت: لعلك ظمآن، اشرب وسنجد حلاً لمشكلتك، فشرب وظل يراوغني، ولم يرجع إليّ الموبايل الذي أعطيته إياه ليهاتف المسؤول (المهم) من خلاله. أظهرت له بعض الحدة الممزوجة بالشفقة، قلت له: الموبايل يخصني، وعلى شاشته صورة والدتي، فلم لا ترده إليّ حتى أطالع صورتها الآن؟ ألا تحب والدتك، وتتمنى أن تطالع صورتها في كل لحظة؟، فقال: نعم، أحبها وأخاف أن يهزمها المرض. انتهزت الفرصة وقلت: أتظن أنك تخفف عنها المرض حين تنتحر؟ أهكذا تعالجها وتسعدها؟ تخيلها وهي تراك الآن تقفز من الطابق السابع.. كيف تكون ردة فعلها؟. في هذه الأثناء كنت أتقرب منه وأبتعد، حتى يأنس لكلامي، ولا يدفعه الخوف إلى القفز، كنت أخشى أن يحفزه احتشاد الناس أسفل البناية وانشغالهم في التقاط الصور له بالموبايلات والكاميرات إلى القيام بحركة استعراضية، كأن يطير في الهواء ويسقط ميتاً، فتتحدث عنه الفضائيات.. وهذا احتمال وارد، لذلك أشرت بحركة خفية إلى شباب، ضمن فريق العمل التابع لشرطة دبي، بالاقتراب مني حتى «إذا لم يستسلم» نطبق عليه بطريقة تشل حركته في الوقت المناسب، وقبل أن يفلت أو يقفز هاوياً إلى الأرض. < هل ظل معانداً أم استسلم؟ قبل انتهاء المهلة التي حددها «تمام الرابعة»، بدأنا تنفيذ الخطة، والحمد لله، تمكنا من إنزاله من دون ممارسة أي عنف ضده، ومن دون إيذاء، ونزلنا سلالم الطوابق السبعة، وسط هتاف وصيحات الجماهير، الذين التفوا حولنا وسلموا علينا بفرحة غامرة. < ارتداؤك الزي المدني كان مقصوداً في هذه الحالة؟ بل قدر مقدور، كنت في عطلة، ومررت في الشارع قدراً أيضاً، لأشاهد سيارة إسعاف وسيارة أخرى تابعة للعمليات، فأدركت أن هناك حالة خطيرة، وصلت إلى الموقع وصعدت إلى سطح البناية، ثم بدأت خطة التفاوض التي مكنتنا من إنقاذ هذا المنتحر. مفاوضات < ما هي خطة التفاوض التي تتبعها في حالات الانتحار عموماً؟ مهمتي الرئيسة تتمثل في كسب الوقت، ومحاولة تخفيض مستوى طلباته، بحجة أن تنفيذها يتطلب بعض الوقت. في البداية تكون طلبات المنتحر كبيرة، كأن يطلب مسؤولاً كبيراً في جهة عليا ليستمع إلى مشكلاته ويلبي طلباته، فنرد عليه بأن هذا المسؤول مسافر، أو أن جدول مقابلاته مزدحم على مدى يومين، وبالتالي فلا بد له من تأجيل عملية الانتحار لمدة يومين، وأن يأتي بصحبتنا حتى نرتب المقابلة مع المسؤول، والاحتمال الذي نتمناه في هذه اللحظة أن يستجيب ويخفف من طلباته، ولو فعل لأدركنا أنه تنازل خطوة، ولديه استعداد للتخلي عن الانتحار، وأن الصفقة ستنجح، وسيكون إنقاذ هذه النفس في متناول أيدينا. < كم عدد حالات الانتحار التي تمكنت من إنقاذها؟ عديدة.. ولا يمكنني الإفصاح عنها لأسباب أمنية، يكفيني الشعور بالرضا والفرحة حين يسخّرني الله عز وجل لإنقاذ هذه النفوس من الهلاك. < هل تتابع الحالات؟ وهل تتوقع أن يحاول البعض تكرار محاولة الانتحار؟ من خلال دراسة الشخصية، يمكنني تقييم الحالة النفسية لهذا الفرد، وأسجل ملاحظاتي بالمركز الذي يتسلمه، علماً بأن هناك جهات أخرى تتولى المعاينة النفسية والرعاية اللاحقة. < ما الحالة التي فشلت في التفاوض معها؟ لا أذكر حالة من هذا النوع، فلدينا المهارات والخبرات والمعارف العامة التي تمكننا من قراءة الشخصية بمجرد النظر إليها والاقتراب منها، لكن المشكلة أن البلاغ يأتينا متأخراً، وبمجرد أن نصل إلى مكان الحادث يكون المنتحر قد أزهق روحه وتخلص من حياته. < كيف تتأثر حياتك الأسرية بطبيعة عملك؟ والدتي تحاول الاتصال بي بصفة دائمة، خاصة في المهمات التي أتأخر فيها، وأكون مستعداً لأي اتصال لإنقاذ أي شخص، وأحاول تعويض أسرتي قدر الإمكان عن فترات الغياب خلال هذه المهمات. هندي يستنجد بـ «بن دلموك» لينقذه من زوجته! أحد المقيمين في دبي، من الجنسية الهندية، اتصل بالنقيب بن دلموك ليتفاوض مع زوجته «صاحب الشكوى»، التي تسبب له العديد من المشكلات. سأله موظف البدالة بإدارة العمليات: كيف عرفت بن دلموك؟، أجاب: قرأت اسمه في الصحيفة، وعرفت أنه بارع في التفاوض، وبالتالي فإنه سينجح في إقناع زوجتي بأن تعاملني بطريقة أفضل، وأن تتوقف عن تهديدي. سألنا بن دلموك: < ماذا تفعل في مثل هذه الحالة؟ أجاب: لو صادفت مشاجرة في الشارع العام، فإنني أتدخل لحلها، وبخصوص مكالمة الزوج الهندي.. فإنني أدرس الحالة، وقد أتمكن من إقناع الزوجة، أو أحيلهما إلى الجهات ذات الاختصاص. < ألا تشكل هذه الحالات الشخصية عبئاً إضافياً عليك، بجانب المهمات الصعبة؟ بالتأكيد، لكننا نقدم خدماتنا لكل من يعيش على تراب الإمارات. قناة تلفزيونية أميركية تطلب مقابلة مع «بن دلموك» عقب نشر خبر إنقاذ الشاب المصري من الانتحار، تقدمت قناة MGI News الأميركية، بطلب إلى القيادة العامة لشرطة دبي لإجراء مقابلة مع النقيب سعيد بن دلموك، لبثها على القنوات الأميركية، ولا تزال شرطة دبي تدرس الطلب. مهارات التفاوض مع المقدم على الانتحار: الصبر، هدوء الأعصاب، القدرة على إظهار التعاطف مع الضحية، وبعض الشدة أحياناً.. كلها مهارات مطلوبة فيمن يتصدى للتفاوض مع أشخاص تهيأوا للانتحار، خاصة أن المنتحر يستمد قوة من الجمهور الذي يوجد في المكان، ويزين له الشيطان أن ميتته ستكون مشهودة، وستصوره الكاميرات وسيتحدث عنه الإعلام. بطاقة. < النقيب سعيد بن خلدان عبد الله بن دلموك. < 36 عاماً. < خريج أكاديمية الشرطة في دبي. < حاصل على بكالوريوس إدارة. < حاصل على دورات بالمنظمة العربية للعلوم الإدارية ومكتب المخابرات الفيدرالي الأميركي (FBI). < متخصص في فن التفاوض وتحليل لغة الجسد. < يعمل ضمن فريق إدارة الأزمات والكوارث في القيادة العامة لشرطة دبي. < يحاضر في أكاديمية الشرطة بدبي لطلبة الماجستير في مبادئ إدارة الأزمات والكوارث.
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] شكرا يا احلى SaMa بالدنيا كلهااا [فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات . إضغط هنا للتسجيل] شكرااا يا albandery على الاهداء الحلو متلك